محمد بن محمد بن هبة الله الحسيني الأفطسي
249
المجموع اللفيف
الذي إليه ترمي ، وحليتك التي بها تروّيت ، وشيمتك التي إليها اعتزيت ، وكنزك الذي له تدّخر ، وعزّك الذي تفتخر ، عليه شدّ نطاقك ، وإليه نزعت أعراقك ، فكيف الآن وقد بلغت أشدّك ، وعضضت ناجذك ، وامتطيت كاهل الزمان حنكة ، وحلبت أشطر الدهر دربة ، ثم إني صورت لك هذا المسعى الأنجح ، والمتجر الأربح ، حتى إذا فتح اللّه عليك ما أغلق ، ودفع عنك ما عوّق ، كنت كالشاهد لمنازله ومياهه وعقاته [ 1 ] ورماله ومفاوزه وجباله وحياضه ، وحفارة ومعالمه وآثاره ، فتردّ على نصيره ، وتقدم على وثيقه ، فقد قيل : ( قتل أرضا عالمها ) [ 2 ] ، و ( قتلت أرض جاهلها ) [ 3 ] ، وأيضا فانّ تحديد النظر ، وما يزف إلى ثاقب رأيك من بنات [ 89 ظ ] الفكر ، والدلائل عيانا من المواعظ والعبر ، تشحذ بصيرتك ، وتوقظ عزيمتك ، لانتهاز الفرصة ، وتقديم العدّة ليوم الشدة ، فان ظلمة الشك لا تنجلي إلا بمصباح اليقين ، ومنها أنّ أبي رضي اللّه عنه ، سمعته يقول : عاد رجل من حجه فتهافت عليه إخوانه ، وتواتر إليه جيرانه ، يسألونه عن خبره وحاله في سفره ، حتى قطعوه عن مهمّه ، فأخذ صحيفة وأودعها قصّته مشوقة ، وصورته مشروحة ، فكان إذا أتاه آت يستخبرونه ، رمى نحوه الصحيفة ، ونبذ إليه الدّرج ، وقال : هذا أعلم ، فتداوله القوم قراءة وتصفحا ، واستراح منهم . ولذكر البادية حرس اللّه النعمة عليك ، وعلينا بك ، بداهة يرتاع لها الصّرورة [ 4 ] إذا سمع بها ، وهيبة يجزع منها الفروقة [ 5 ] إذا خبّر عنها ، وأيم اللّه
--> [ 1 ] الكلمة في الأصل غير معجمة ، وعقاته جمع العقّة وهي الحفرة العميقة في الأرض . [ 2 ] قتل أرضا عالمها ؛ هذا مثل ، والقتل هنا التذليل ، يضرب في مدح العلم ، والمثل في : مجمع الأمثال 2 / 118 ، المستقصى 2 / 188 ، جمهرة الأمثال 2 / 121 ، البيان والتبيين 2 / . 318 [ 3 ] قتلت أرض جاهلها ؛ هذا مثل ، يضرب لمن يباشر أمرا لا علم له به ، والمثل في : مجمع الأمثال 2 / 108 ، المستقصى 2 / 188 ، البيان والتبيين 2 / 318 . [ 4 ] في الأصل : ( الضرورة ) والصواب الصرورة بالصاد المهملة ، وهو الذي لم يحج أو لم يتزوج . [ 5 ] الفروقة : الشديد الفزع .